الرئيسية / منوعات / رومانيا أول دولة تقنّن السحر وتفرض عليه ضرائب

رومانيا أول دولة تقنّن السحر وتفرض عليه ضرائب

الساحرة براتارا بوزيا (وسط الصورة) أثناء طقس النار بهدف تخليص زوجة هجرها زوجها من غريمتها

إعداد سليمة لبال|

تخلّصت رومانيا في 21 ديسمبر 1989 من الدكتاتور الشيوعي نيكولاي تشاوشيسكو؛ الذي حكم البلاد بقبضة من حديد لأكثر من 24 عاما، بعد ثورة شعبية قادها شباب رافض للظلم والبؤس والمعيشة المضنية، غير أن هذه الثورة التي أنهت النظام الدكتاتوري، لم تقضِ على ظواهر اجتماعية التصقت بالمجتمع الروماني كظاهرة السحر التي تفاقمت شيئا فشيئا الى أن تحولت رومانيا الى جنة للساحرات.
في رومانيا لا يحرق الناس الساحرات مثلما كان يحدث في بعض دول اوروبا، وانما يتملقون ويتزلفون لهن، فهنّ يمارسن السحر ويقرأن المستقبل في كل الشوارع الرومانية، ليتحول بذلك معتقد شعبي الى تجارة رابحة، ما ينفك حجمها يزيد يوما بعد يوم.
من يزر العاصمة الرومانية بوخارست سيرى بالتأكيد على أرض الواقع مشاهد من فيلم الساحر أوز، فلا تستغرب إذن إن شاهدت ساحرة عجوزا، تحمل مكنسة، وتزعم انها تتحكم في قوى الشر في كل مكان من هذا العالم.

تستقبل براتارا بوزيا منذ ثلاثين عاما عشاقا خائفين على حبهم، وازواجا يرغبون في الانتقام من شركائهم، وسياسيين يطمحون إلى تسلق هرم السلطة، وقد خصصت هذه الساحرة لذلك جناحا في بيتها. إنها تثير في بعضهم نوبات عصبية، وتنبئ بعضهم بلعنة متوقعة، واما اخرون فتحررهم من الارواح الشريرة التي تترصدهم وتسكن بعضهم.
في ذلك المساء الذي زارها فيه محرر مجلة الاكسبرس الفرنسية،كانت هذه الساحرة الرومانية على موعد مع زوجة تخلّى عنها زوجها، وكان مطلبها الرئيس، هو أن تطرد من على وجه البسيطة هذه السيدة التي خطفت منها زوجها.
غادرت براتارا الى النهر بهدف القبض على حشرة يعسوب وضعتها في كـأس مملوءة بالعسل، وما هي إلا لحظات حتى غرق اليعسوب في العسل، ونفق مثلما تأمل الزوجة في أن يحدث لغريمتها، واما عجوز اخر مصاب بداء الصرع، فقد وصفت له براتارا تسع حبات من الفلفل الأسود وأغصان البقدونس وقلب حمامة، ليأكلها «في ليلة مكتملة القمر».
يثير هذا الكلام الضحك لدى الكثيرين، لكن القضية جدّية في رومانيا، ففي بوخارست اكدت دراسة أجرتها العام الماضي فانتيلا مياليسكو مديرة مختبر علم الاجتماع في المدرسة الوطنية للدراسات السياسية والادارية، أن 4 رومانيين من أصل 10 يستشيرون ساحرة بصفة منتظمة او عرضيا.
وتقول هذه الباحثة ان هذا العدد المرتفع يعود الى تنامي الشعور بعدم الامان المرتبط بالأزمة الاقتصادية، لكن حتى الميسورين والاشخاص الذين ينتمون الى الطبقة المخملية في رومانيا يشعرون بالخوف من مستقبلهم، فتراهم يترددون على الساحرات من اجل الاطمئنان.

200 ألف يورو لفك سحر الحماة

لا أحد يعترف هنا بتردده على الساحرات، واما اخرون فيعتبرونه هذيانا، لكن في بوخارست توجد المئات من الساحرات اللواتي ينحدرن في الغالب من أصول غجرية، ويمكن الوصول إليهن ايضا عن طريق حسابات الفيسبوك، حيث يجد الزبون السعر المناسب لأي طلب.
وان كان البعض منهن يكتفي بحفنة من اليورو مقابل قراءة المستقبل على اوراق التاروت، فإن اخريات أصبحن من اثرياء رومانيا بسبب طبيعة الزبائن الذين يترددون عليهن طلبا لخدماتهن مثل نجمة التلفزيون الروماني اوانا زافورانو، التي انفقت 200 الف يورو في نهاية 2011 من اجل فك سحر زعمت بأن حماتها وضعته لها.
خاب امل هذه النجمة التلفزيونية من النتائج فرغبت في ان تسترد مالها، لكن القضية تحولت الى المحاكم وأسالت الكثير من الحبر على صفحات الجرائد والمجلات الرومانية، ولفتت ايضا انتباه مصلحة الضرائب الى نشاط الساحرات.
كان على الحكومة الرومانية أن تقنن نشاط الساحرات، حتى تتمكن من فرض ضرائب عليهن، وهو بالفعل ما تم في يناير 2012، حيث أصبح لهن مسمى قانوني توصيفه كالآتي «عاملات يصفن الماضي، ويتوقعن احداثا في المستقبل»،
وبموجب هذا التطور، أصبحت رومانيا اليوم الدولة الأوروبية الوحيدة التي تعترف رسميا بوظيفة الساحرة، ويقول نيكولا فيليس أستاذ الرياضيات في مدرسة تقع بالقرب من بوخارست: «ان هذا الأمر ليس فيه مفخرة للرومانيين، ذلك ان هذه المعتقدات الغريبة تعطي صورة سيئة عن بلادنا. من المؤسف جدا ان ديكارت لم يولد عندنا».

معتقدات غريبة

في رومانيا؛ لا يستخف الناس بالمعتقدات فالبكاء ليلة رأس السنة نذير شؤم، الا إذا ارتدى من يبكي ملابس داخلية حمراء اللون. أما توقف الساعة بعد منتصف الليل، فيعني عند الكثيرين موت قريب، واما الكثير من الرومانيين فمهوسون بالمستقبل وبالمرأة التي يرتبطون بها.
ويخاف الرومانيون ممن يسمونها الديوشي وهي العين، ففي 2009 اشتكى السياسي ميرسيا جيوانا وكان مرشحا للرئاسة، مما وصفه «هجمات بطاقة سلبية» استهدفته خلال المناظرة التلفزيونية التي جمعته بغريمه ترايان باسيسكو.
وقد تمكنت روديكا جيورغ مقابل 35 يورو فقط من ابعاد هذه العين الشريرة عن السياسي، وقد اكدت هذه الساحرة التي احتلت المرتبة الثالثة في المسابقة الدولية للساحرات التي احتضنتها كييف في 2011، اكدت النتيجة وقالت إنها نهائية.
في مكتب هذه الساحرة، الشموع مضاءة في كل زاوية واما على الجدار فقد علقت صورة سيدة التقطت من زمن الابيض والاسود.. انها والدتها التي لم تكن سوى الساحرة الشخصية لإيلينا تشاوشيسكو زوجة الدكتاتور الروماني نيكولاي تشاوسيسكو.

«لا أحتاج إلى القراءة والكتابة في السحر»

عكس ما يتصور الجميع خارج رومانيا، لم يطارد الشيوعيون ابدا الساحرات في هذا البلد. وتقول ماما أتينا «لم أواجه أي مشكلة مع الشيوعيين، وكنت أستقبل دوما كوادر الحزب الشيوعي في بيتي».
حين التقى محرر الاكسبرس هذه الساحرة، كانت ترتدي تنورة طويلة وتيشرت كتب عليه باللغة الانكليزية «ليالٍ مخيفة». هذه الساحرة في الـ66 من عمرها، وتمارس السحر في مدينة ماراسينيني على بعد 100 كلم شمال شرق بوخارست، منذ اكثر من نصف قرن وعن تجربتها تقول: «أنا لا أعرف الكتابة ولا القراءة؛ لكنني لم أحتج إليهما إطلاقا».
وتقول هذه الساحرة ان موهبة السحر لا تعلم في الكتب وإنما تنقل من خلال الاحلام وبهذه الطريقة تلقتها من جدتها قبل أن تموت.
وحتى تتمكن ماما أتينا من اعادة الأزواج إلى زوجاتهم، تقوم بتسخين معدن التلحيم ثم ترميه في كأس ماء وتفسر الشكل الذي يتخذه المعدن. وحين سألها محرر المجلة ان كانت تستغل سذاجة زبائنها، ردت بالقول: «ان الأطباء يجبرون المرضى على دفع اموال مقابل شفائهم وانا لا أطلب المال الا حين يتم حل المشكلة».

معارضة رجال الدين

ولا يروق الوضع لكثير من رجال الدين في رومانيا من أمثال كوستانتين ياتولونو قس كنيسة يودريكاني في بوخارست؛ حيث يقول: «لا تتردد الساحرات هنا في الابتهال الى الله من اجل استقطاب الأتباع. والكنيسة تمنع بشكل رسمي هذه الممارسات، لكنها لا تملك الأدوات الكفيلة لإيقافها». ويضيف: «تقوم الساحرات بفعل اي شيء في سبيل ازدهار تجارتهن، ولفت انتباه الزبائن الذين يبحثون عن اجابات للاوضاع التي يعيشونها».
لكن كيف ازدهر عمل الساحرات في بلد عدد الكنائس فيه يصل الى اربعة اضعاف عدد المدارس اي حوالي 18 ألف كنيسة؟!
تقول المختصة في الانتروبولوجيا فانتيلا ماهيليسكو: «ان الكنيسة الارثوذكسية لم تقم ابدا بإدانة اعمال السحر. وفي القرى ان لم ينخرط القساوسة في هذه الطقوس يتم طردهم ومن بين هذه الطقوس التي تعود الى ما قبل المسيحية «طقس الخروج والدخول عبر النافذة».
فحين يمرض الرضيع يتم اجتياز النافذة ثلاث مرات، وتضيف فانتيلا ماهيليسكو: «خلال هذه المراسم، يقومون بتغيير اسم الرضيع حتى يتلاشى المرض وفي الغالب يطلب الابوان من القس مباركة النافذة وإن رفض، يتم حرمانه من وضعه القانوني كقس».

مياه مقدسة

عملت ماريا نيغو طول حياتها في تعاونية زراعية في قرية كامبوفيني الصغيرة، وذات مساء أصبحت ساحرة. إنها في الـ89 من عمرها، وما تزال تستقبل سكان القرية الذين يحتاجون الى المساعدة، انها تتحدث معهم وتبتسم كما لو انها مختصة نفسانية، وحين سألها محرر المجلة عما تقوم به أجابت: «انهم يأتون لرؤيتي من بعيد.. وددت لو ان ابنتي تساعدني لكنها لا تملك الكافي من الوقت بسبب عملها، كما انها لا تتذكر التركيبات السحرية التي علمتها إياها، لذلك ستذهب كل هذه المعرفة معي حين أموت».
كانت تنبعث رائحة الكرنب من مطبخ هذه الساحرة؛ بينما وضعت على الطاولة بعض حبات الحلوى ومياه؛ قالت انها مقدسة واشترتها من البابا خلال ليلة احتفالات القديس يوحنا ليشرب منها كل من يقصدها.
لكن هل يعرف قس المدينة ذلك ؟تجيب الساحرة «بالطبع يعرف ذلك ولا تسبب له اي مشكلة».
من الصعب التحقق من كلام هذه الساحرة، لأن القساوسة نادرا ما يقبلون التطرق الى موضوع السحر في رومانيا، لكن الراهب إيون غيلوسيا (71 عاما) قال «لا تملك الساحرات اي سلطة او قدرة غير الكلام، لكنهن يتقن جيدا طرق استخدامها لمصلحتهن، فحين كنت طفلا كنت ارى بنات قريتي يترددن زرافات زرافات على الساحرة وكن يرغبن في معرفة العمر الذي ستتزوجن فيه، وكانت الساحرة تجبرهن على الاستحمام في مزيج غريب من المواد، بينما كنا نحن الاطفال نسترق النظر الى ما يجري من حولنا».

تورط رجال الدين

في الاخير استطاع هذا الراهب التحدث عن انحرافات رجال الدين فقال «بعض القساوسة يقرأون المستقبل مقابل المال ويطلبون من اتباعهم التثليث ثم يترجمون لهم ما يرونه» لكن لماذا يتورط رجال الدين في رومانيا في مثل هذه الممارسات؟.
يقول فيورال كتارباسيو مؤلف الكثير من الكتب حول السحر ان السبب يعود الى الفضائح المالية التي تغرق فيها الكنيسة الارثوذكسية الرومانية. وايضا الى ممارساتها ،فقد انتقد الرومانيون بشدة تجاهل الكنيسة للضحايا الستين الذين سقطوا في اكتوبر الماضي خلال الحريق الذي شب في ناد ليلي في بوخارست، كما اثارت عملية بناء كاتدرائية ضخمة في قلب بوخارست الكثير من الجدل بسبب تكلفتها الكبيرة (اكثر من 100 مليون يورو ).
كل هذه الأحداث دفعت الرومانيين الى الابتعاد عن الكنيسة، لكن هل تحاول الساحرات الرومانيات الانتقام لانفسهن من خلال هذه العودة القوية،بعد ان قضت الكنيسة خلال قرون بحرق المئات منهن؟

هذا المقال رومانيا أول دولة تقنّن السحر وتفرض عليه ضرائب كتب في القبس الإلكتروني.

شاهد أيضاً

دراسة تحدد سبب عسر القراءة

يؤكد باحثون فرنسيون أنهم حددوا سببا تشريحيا محتملا لعسر القراءة (ديسلكسيا) موجودا في مستقبلات صغيرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *