الرئيسية / منوعات / نجم الفيزياء ستيفن هوكينغ ينطفئ

نجم الفيزياء ستيفن هوكينغ ينطفئ

سليمة لبال|

عاش سنوات على كرسي متحرك، لا يتحدث إلا بمساعدة حاسوب، ولكنه أشهر عالم فيزياء في الكون بعد أنيشتاين. كرّس حياته للفيزياء وقضى عقودا في دراسة علم الكون والعلاقات بين الثقوب السوداء والديناميكا الحرارية والتسلل الزمني. إنه ستيفن هوكينغ الذي توفي عن عمر ناهز الــ76 عاما بعد أن ابهرنا بروح الدعابة التي ألهمت الناس في جميع أنحاء العالم.
كان شكله على ذلك الكرسي الكهربائي الثقيل معروفا في كل العالم، ذلك أنه لم يكن قادرا لا على المشي ولا على الكلام منذ عقود. وقال أطفاله الثلاثة لوسي وروبرت وتيم في نص نشرته الوكالة البريطانية برس أسوسسيشن بعد الاعلان عن وفاته إنهم يشعرون بحزن كبير لوفاة والدهم، وأضافوا «لقد كان عالما كبيرا ورجلا استثنائيا، سيبقى تراثه وكتبه حية لسنوات طويلة».

قبل أكثر من خمسين عاما شخّص الأطباء إصابة ستيفن هوكينغ بداء التصلب الجانبي الضموري، الذي يطلق عليه داء شاركو في فرنسا، أو مرض لو غيهريغ في الولايات المتحدة، وقد اشتهر بين أقرانه بالابحاث الكثيرة التي اجراها في فترة الشباب عن الثقوب السوداء وعلم الكون حتى أصبح أيقونة، ولكن جسده المحطم ألهم الكثيرين في هذا العالم ممن كانوا يتابعون إنجازاته، فيما حولته قصة حياته ومأساة مرضه إلى أسطورة.

ولد «كسولاً»
ولد ستيفن في 8 يوليو 1942 في أكسفورد، أي بعد ثلاثة قرون بالضبط من وفاة العالم الإيطالي غاليللي غاليليو، ولكن هوكينغ لم يكن متفوقا منذ طفولته، فنتائجه في المدرسة كانت صحيحة فقط، حتى أن والدته تقبلت طواعية بأن ولدها طفل كسول، ولكن في الواقع كان «عصامياً» مثل الورق النشاف يمتص كل شيء وفق ما ذكرته في سيرته الذاتية التي نشرت في تسعينات القرن الماضي.
ولد ستيفن في عائلة مثقفة وكان واحدا من افرادها يستطيع ان يحمل معه كتابه إلى طاولة الطعام ليأكل ويقرأ في الوقت ذاته.
في عام 1959، غادر والده إلى الهند في مهمة تستمر شهورا، برفقة أصغر أطفاله وعددهم ثلاثة، حيث كان يشغل منصب رئيس مصلحة علم الطفيليات في المعهد الوطني للأبحاث الطبية في لندن، وأما ستيفن أكبر الأطفال، فبقي في لندن حيث كان في الــ17 من عمره.
أقام ستيفن لدى عائلة صديق له وتمكن بعد بضعة شهور من الدراسة من الحصول على منحة لدراسة الفيزياء في جامعة كويج، أقدم كلية في جامعة أكسفورد، لكن نجم الفيزياء العالمي لاحقا، شعر بملل كبير داخل هذه المؤسسة.
ووفق ما ذكر اساتذته، فقد كان هوكينغ لا يعمل ولا يبذل مجهودا وهو ايضا اعترف عدة مرات بأنه لم يكن يخصص اكثر من ساعة يوميا للدراسة، وأما زملاؤه فقد لاحظوا بسرعة قدرات هذا الفتى الذي تميز بنظاراته الغليظة وابتسامته العريضة التي كانت ترتسم على وجهه كلما اكتشف اخطاء في الكتب الدراسية.
في السنة الثانية التحق هذا الفتى «الغث» بنادي التجديف الشهير كموجه دفة القارب. لقد كان مغامرا وواثقا من نفسه، لكن عدد القوارب التي كسرها اكثر من السباقات التي فاز بها. وكادت تلك الفترات التي كان يقضيها في الأنهر ان تكلفة تقدير «جيد جدا» في امتحانه النهائي، حيث نجح بشق الانفس وبعد ان «هدد» ممتحنيه بالبقاء في اوكسفود إن لم يمنحوا له هذا التقدير، الذي كان ضروريا للترشح للدكتوراه في جامعة كامبريدج. في ذلك الوقت اختار هوكينغ دراسة علم الكون والتعمق في أصل الكون بدل الفيزياء الكمية التي كانت تعيش فترة من الازدهار في ذلك الوقت.

مرض عضال
في هذه الفترة بالتحديد ظهرت أعراض المرض على هوكينغ، حيث كان يسقط من دون سبب وجاء تشخيص الاطباء فظيعا ومأساويا، حيث تبين أنه مصاب بداء التصلب الجانبي الضموري وهو مرض نادر ولا يمكن علاجه.
ولأسباب غير معروفة إلى الآن يهاجم هذا المرض أعصاب القشرة الدماغية. فهم الشاب حينها أنه لن يستطيع المشي والكلام والأكل ولا التنفس وأنه من دون مساعدة ولن يعمر أكثر من ثلاثة أعوام، لذلك بدأ عداد الزمن يدق في انتظار النهاية.
شعر الشاب الذي لم يكن قد تجاوز الــ21 من عمره بالظلم وفجأة أغرم بفتاة تدرس اللغات تدعى جين والد، تملك من الطاقة ما يكفي لدعمه ولتقف إلى جانبه.
كان هوكينغ في تلك الفترة في حاجة إلى المال من اجل ان يؤسس عائلة وكانت الأولوية بالنسبة له هي انهاء اطروحة الدكتوراه حتى يتمكن من العثور على وظيفة ودخل مناسب، لذلك انهمك لأول مرة في حياته في العمل ليلا ونهارا وكانت المفاجأة كبيرة والمنعطف حاسما في حياته، لقد اكتشف بل فوجئ بمقدار حبه لما يقوم به.

نجاح «تاريخ موجز للزمن»
تمكن ستيفن بفضل مهاراته الواضحة في الرياضيات من إيجاد تفسيرات فيزيائية لم يسبقه إليها أحد، فنظرية اينشتاين تنص على أن دمار بعض النجوم يؤدي إلى تشكل اشياء أكثر كثافة من الفوتونات وان الجزئيات الاكثر سرعة في الكون، لا يمكن أن تفر من جاذبيتها. وبين هوكينغ أن هذه الثقوب السوداء تحتوي على حالات استثنائية وهي نقاط في فضاء الزمن، حيث تصبح الكثافة لا منتهية.
ونشر هوكينغ العديد من المقالات حول هذه الانفرادات المنبثقة من نظريات اينشتاين، وقام الباحث الشاب بربطها على سبيل المثال بنظرية بيغ بانغ الذي ظهرت في اربعينات القرن الماضي لكن لم يكن هناك اجماع عليها. وبين أن الامر يتعلق رياضيا «بثقب أسود معكوس: أي نقطة كثافة غير منتهية، تمددت وبان الثقوب السوداء هي نهاية الكون تحكمها الجاذبية، ما يؤدي إلى حالة الاستقرار النهائي».
لكن أجمل نتيجة وصل اليها ستيفن هوكينغ تعود إلى عام 1974، فهذا الباحث هو أول منج في جمع الثوابت الأساسية للنسبية العامة مع ثوابت الميكانيك الكمية في معادلة واحدة، تصف كيف تتبخر الثقوب السوداء بانبعاث اشعاع خفيف منها. هذا الاشعاع الضعيف جدا لم تتم ملاحظته ابدا في حياته ما حرمه من الحصول على جائزة نوبل التي كان يستحقها.
حين بلغ الشاب 35 عاما في عام، 1979 منح الكرسي اللوكاسي للرياضيات وهو لقب أستاذية الرياضيات في جامعة كامبريدج، سبق أن حمله قبله اسحاق نيوتن ولم يكن أحد يتصور أن الرجل سيشغل المنصب لمدة 30 عامًا.
في تلك الفترة لم يكن ستيفن هوكينغ مشهورا بعد، لكن كتابًا أصدره في عام 1988، سيدفعه إلى الامام ليتصدر المشهد. حقق كتاب «تاريخ موجز للزمن» نجاحا واسعا وبيعت منه اكثر من 9 ملايين نسخة في العالم، ولا يعود ذلك إلى مستوى الكتاب الذي كان عاديا وانما إلى عبقرية الناشر الذي نشر صورة للمؤلف وهو على كرسي كهربائي على غلاف الكتاب، فبدا الباحث أسيرًا لجسد محطم ورغم ذلك نجح بقوة روحه في الإبحار بكل سهولة بين نظريات الفيزياء الأكثر تجريدية وخوض معركة شديدة ضد المرض الذي يعانيه منذ سنوات.
أصبح ستيفن هوكينغ «العالم المثالي» مثلما وصفته عالمة الاجتماع هيلين ميالي، واما صورة جسده الذي يبدو من دون هيكل عظمي فقد وثقت معجزة إنسانية وأكدت ان العلم هو نتاج الروح وحدها ولا علاقة له بالماديات. غير ان هذه الرؤية تخفي حقيقة مختلفة تمامًا وفق تحليل عالمة الاجتماع الفرنسية التي تضيف «هوكينغ كان وسط نظام معقد، سمح له بالوجود والانتاج فلقد كان محاطا بطلبة لامعين، ساعدوه مثل كل الباحثين في مستواه كما كانت هناك ممرضات تقوم برعايته والاهتمام به وما كان ليستمر لولا هذه الشبكة الضيقة التي لا نراها نحن من الخارج.

رجل مثقف
كان هوكينغ يعي تمامًا بأنه أسطورة في نظر الناس لذلك كان حريصًا جدا على مراقبة ما يقوله. لقد رفض دوما تغيير صوته الصناعي إلى اللكنة الاميركية التي بدأ التعبير بها في ثمانينات القرن الماضي وأما وضعه فقد فتح له الابواب على مصراعيها حيث استقبله البابوات والرؤساء الاميركيون وأصبح شخصية عالمية، تتم دعوتها للبرامج التلفزيونية الاميركية أو في المسلسلات مثل مسلسل سيمسبونس أو ستار تريك.
لم يحظَ عالم أبدًا بمثل شهرة هوكينغ ولم يتردد صدى عالم في الاعلام بهذا الشكل، ويبدو ان الرجل استفاد من هذه اللعبة الكبيرة لملء أي فراغ في حياته. وفي سيرته الذاتي التي نشرها في 2013، كتب أنه يأمل في أن يتذكره الناس كأب وجد أولاً.

جين وايلد: ذكرياتنا آليمة
خلال تقديمها فيلم «نظرية كل شيء» المستوحى من قصة حبهما، في فرنسا قبل سنوات، قالت جين وايلد التي قضت 25 عاما مع ستيف هوكينغ إنها كتبت قصة حبها في كتابها «السفر إلى اللانهاية.. حياتي مع ستيفن هوكينغ»، بعد أن أتعبها السؤال التالي: هل يفضل أن تبقى قصة غير معروفة أو أن تترك أحدا يكتبها، ويضيف عليها ما شاء من وحي خياله، وأضافت «الكثير من الذكريات بيننا، وأردت كتابة قصة نهائية من دون تدخل أي كان، حتى أواصل حياتي، وكانت لدي الدوافع ذاتها من أجل الفيلم. كنت أرغب خاصة بمساعدة ضحايا مرض شاركو وعائلاتهم الذين يكافحون من أجل الحفاظ على استقرارهم الاسري والاستمرار في العيش بصورة طبيعية».
لعبت فيليسيتي جونز دور جين في الفيلم، وتقول زوجة هوكينغ انها نجحت حتى في تقليد صوتها وطريقة كلامها وحركات يديها، وتضيف «في احلك ايامي مع ستيفن، ساعدني ايماني على المواجهة، ففي لحظات عدة، كنت اشعر باني معزولة جدا، وبأني الوحيدة التي تعيش هذه الظروف في العالم، والفيلم بيّن لي أن الكثيرين كانوا يعيشون ظروفي». وتابعت «لقد وصل ستيفن إلى مرحلة عجز فيها عن الكلام، حيث لم يكن يفهمه الا عدد قليل من الاشخاص، وحين تعب في 1985 في جنيف لم يكن قادرا على الكلام، وكانت علينا الاستعانة بكمبيوتر وصل من الولايات المتحدة، حتى يتمكن من الحديث والكتابة».

فيلم مبهر
نظرية كل شيء The Theory of Everything هو فيلم سيرة ذاتية بريطاني صدر في 2014، من إخراج جيمس مارش، وكتابة أنطوني مكارتن، مستوحى من مذكرات السفر إلى اللانهاية: حياتي مع ستيفن، التي كتبتها جين وايلد وركزت فيها على علاقتها مع زوجها السابق العالم الفيزيائي النظري ستيفن هوكينغ.
لعب دور البطولة في الفيلم ايدي ريدماين وفيليسيتي جونز اللذان قاما بدور ستيفن وجين على التوالي، إضافة إلى إميلي واتسون وديفيد ثويليس وسايمون ماكبرني وتشارلي كوكس في أدوار مساعدة. وحظي الفيلم بعرضه الأول في مهرجان تورونتو السينمائي الدولي 2014، كما عرض في دور السينما في العام ذاته، وحصل بطله ايدي ريدماين على جائزة الأوسكار لأحسن ممثل في عام 2015.

أبرز العلماء المقاطعين لإسرائيل

أثار موجة غضب في اسرائيل وفي اوساط يهود العالم حين قرر عام 2013 مقاطعة الاحتفالات التي أقيمت في مدينة القدس المحتلة لإحياء الذكرى التسعين لميلاد الرئيس الإسرائيلي الراحل شمعون بيريز، والتي حضرها عدد من القادة العالميين والمشاهير الذين كان من ابرزهم الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون ورئيس وزراء بريطانيا الأسبق طوني بلير.
واوردت صحيفة غارديان في حينه أن هوكينغ كان ينوي الحضور لكنه تراجع تحت ضغط حركة BDS لمقاطعة ومعاقبة وسحب الاستثمارات من اسرائيل. وبالرغم من تذرعه في البداية، بأسباب صحية، إلا أنه بعث لاحقاً، برسالة للمنظمين قال فيها «تلقيت عدداً من الرسائل من أكاديميين فلسطينيين يطالبونني باحترام المقاطعة وعدم المشاركة في الحفل، وعلى ضوء ذلك، قررت الانسحاب».
ولم تكن تلك المرة الأولى التي يتخذ فيها هوكينغ مواقف الى جانب الفلسطينيين. ففي عام 2009، ندد بالحرب الاسرائيلية على غزة، ووصف اسرائيل بأنها «أشبه بجنوب افريقيا قبل عام 1990، ولا يمكنها أن تستمر».
ودعا الملايين من متابعيه على موقع فيسبوك العام الماضي، للتبرع لتمويل سلسلة من المحاضرات في الفيزياء لطلبة الجامعات في الضفة الغربية.
وعلى الرغم من مقاطعة الكثير من الفنانين والموسيقيين زيارة اسرائيل تضامناً مع الفلسطينيين، كان هوكينغ أول عالم يحظى بهذا الوزن الدولي، ينضم الى حركة مقاطعة اسرائيل.
وقد بلغ الغضب من مقاطعة هوكينغ لإسرائيل أن خرجوا الى وسائل التواصل الاجتماعي للتنديد به، بل والاستهزاء من حالته البدنية!

 


شاهد أيضاً

الجيران المزعجون يزيدون فرص الإصابة بأمراض عقلية

كشفت دراسة حديثة صادرة عن جامعة جنوب الدنمارك في كوبنهاغن، أن السكن بالقرب من جيران …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *