الرئيسية / منوعات / إحداثيات العشرينات.. التنوير والثقافة في الكويت

إحداثيات العشرينات.. التنوير والثقافة في الكويت

النادي الأدبي تأسس ضمن حراك ثقافي في العشرينات

فتحية الحداد |

في مقال سابق نشرته القبس في 16 مارس 2016 بعنوان: عيسى القطامي.. مئة عام على «دليل المحتار» اقترحت الاحتفاء بمئوية كتاب «دليل المحتار في علم البحار»، واليوم أتحدث عن جدوى الاحتفاء.

في محاولة للخروج من نمط ندوات يكرر محاضروها ما ذُكر مسبقا في الكتب، سنشير إلى أهمية تقفي فراغات تركها التاريخ لنسعى إلى شغلها بمحصلة نتفهم من خلالها أسباب تميز تلك الفترة أو تلك المرحلة.

«دليل المحتار» ألفه المرحوم عيسى عبدالوهاب القطامي في 1916، والمصادر تشير إلى أن طباعة الكتاب تمت في مطبعة دار السلام في بغداد عام 1924 ما يعني أن هناك فجوة زمنية بين التأليف والطباعة دعتني للتساؤل لماذا عام 1924؟ تذكرت أن الشيخ عبدالعزيز الرشيد طبع نص «محاورة اصلاحية» في الفترة نفسها، وعلى النسخة المتوافرة من نص المحاورة وردت العبارة التالية «طُبعت في مطبعة الفرات ببغداد عام 1342هـ».(1924م). هناك إذا بُعد جغرافي يتعلق بالطباعة في العراق وآخر زمني يشير لعامل السنوات فما الذي ميز تلك الفترة وهل للسفر ولطباعة الكتب علاقة بالأجواء الثقافية في الكويت؟
عندما نعود إلى النادي الأدبي في الكويت، كنموذج بلوَر التوجه الثقافي محليا، ونقرأ ما كتبه د. خليفة الوقيان في كتابه «الثقافة في الكويت – بواكير، اتجاهات، ريادات» نلحظ إشارة الى أن انشاء النادي الأدبي كان عام 1924 وأن إنشاء المكتبة الأهلية كان خطوة مهدت السبيل إلى قبول المجتمع فكرة إنشاء ناد أدبي.
تصفح كتاب «الثقافة في الكويت» واقتفاء التواريخ وتدرجها يحيلنا إلى معرفة الأجواء المحلية التي ساهمت في التمهيد لإنشاء النادي الأدبي وخلق بيئة ثقافية ليكون تأسيس مكتبة الرويح 1923 دعامة في هذا الاتجاه، خاصة أن هذه المكتبة، التي عُرفت أيضا بالمكتبة الوطنية، ساهم صاحبها بالترويج للقراءة سواء ببيع الكتب أو بالإعارة مقابل أجرة زهيدة. من هنا نرصد ما يشبه «الوثبة الثقافية» التي ميزت العامين 1923 و1924، فإلى أي مدى وصلت تلك الوثبة وما المقومات التي دفعت بها إلى الأمام؟
يبدو أن الكويت خلال الفترة 1923 و1924 مضت في توجه يعنى بشكل خاص بالطباعة والقراءة والأدب من خلال طباعة «دليل المحتار في علم البحار»، ونص «محاورة اصلاحية» وانشاء المكتبات لبيع الكتب وتأجيرها إضافة الى تأسيس المكتبة الأهلية والنادي الأدبي. حراك ثقافي، لا يلغي بطبيعة الحال شذرات المؤلفات التي كُتبت ونُسخت من قبل والتي تمت الاشارة إليها في كتاب «الثقافة في الكويت»، لتبقى العشرينات منعطفا جعل من «الثقافة» توجها عاما.
◗كتلة ثقافية لخلق توجه عام
توجه ثقافي ساهمت به شخصيات شغلها شغف العلم وفئة تميزت بالانفتاح على الآخر. افتتاح النادي الأدبي عام 1924 حدث ثقافي تصدى له رجال عرفوا بحس المبادرة، فما مقومات المبادرات وهل للسفر والانفتاح على الآخر تأثير يُذكر؟ د. خليفة الوقيان في كتابه «الثقافة في الكويت» يقول ان «أول من فكر في مشروع النادي الأدبي هو الشاب الأديب خالد سليمان العدساني». وفي موسوعة الأوائل الكويتية لمؤلفها عادل حسن السعدون يرد اسم العدساني ضمن «أول بعثة طلابية للدراسة خارج الكويت وكانت بداية 1343 هـ الموافق 1924 أوفدت إلى العراق (…) وعادت البعثة عام 1926».
◗ إبداع وطرح جديد
تجاور تاريخ انشاء النادي الأدبي وتاريخ البعثة الكويتية إلى العراق يوحي بأغراض السفر وتأثيره في تلك المرحلة. العدساني كان له شركاء دفعوا بالمبادرة وربما بالتوجه أيضا. النادي الأدبي عند افتتاحه عام 1924 تُـوج بمحاضرة ألقاها الشيخ عبدالعزيز الرشيد. هذا المُربي كانت له مبادرات عدة خرج بها عن النمطية، وهو ما نلاحظه في مقدمة نص «محاورة اصلاحية» حين كتب الرشيد «في رجب 1342 احتفل الكويتيون بامتحان طلبة المدرستين المباركية والأحمدية (…) أما كيفية الامتحان فهي على غير الطريقة المألوفة في المدارس، وذلك أن التلميذ يقف بين الجمع المحتشد ثم يُسأل وعندي أن هذه الطريقة، وإن لم تكن مألوفة، فهي من الطرق المستحسنة لأنها تُكسب التلميذ الشجاعة الأدبية وهي من أعظم ما يتسلح بها المصلحون».
◗حقوق المرأة
طرح جديد يظهر عام 1924 على مستوى التعليم والأفكار ما يدعونا إلى ملاحظة أهمية التكامل في التيارات الثقافية التي ميزت تلك الفترة. نعود ونقرأ في «موسوعة الأوائل الكويتية» حيث يشير المؤلف عادل حسن السعدون، واستنادا إلى كتاب «تاريخ التعليم في الكويت»، أنه في 30 أبريل 1924 كانت أول مبادرة لحقوق المرأة الكويتية، وأن الشيخ عبدالله الجابر، وبصفته رئيسا للنادي الأدبي، تحدث عن دور النادي ومما قاله «كما يتناول النادي القضايا العامة ويناقشها وفكرنا بالوضع النسائي متبعين خطوات قاسم أمين وهدى الشعرواي وصفية زغلول في المناداة بحرية المرأة، وقد سعينا بكل السبل لاعطاء حرية أكثر للمرأة الكويتية ولكننا لم نتمكن كثيرا في ذلك الوقت».
الاحتفاء بكتاب «دليل المحتار في علم البحار» يمكن أن يتحول إلى مناسبة لتقييم دور المبادرات في وثبة العشرينات. في وقت لم تنشأ فيه المطابع في الكويت تبنى الأفراد طباعة مؤلفاتهم ومنشوراتهم في الهند والبحرين والعراق وغيرها. الاحتفاء بكتاب «دليل المحتار» فرصة لتفهُم مقومات وثبة ميزت تلك الفترة، ولعلنا نستوعب دور المبادرات المعنوية والمادية كمبادرة الشيخ يوسف بن عيسى القناعي عندما صحب أول بعثة تعليمية إلى بغداد عام 1924 بعد أن تكلف بنفقات سفرهم وايابهم، إضافة إلى مبادرة شملان بن علي السيف عندما أسس في العام نفسه «مدرسة السعادة» لتعليم اليتامى وأبناء الفقراء مجانا.
«دليل المحتار» قد يكون منصة لمحاور عدة تدور حول المسار الثقافي والتنويري وأهمية عهد جديد بدأ من خلال حكم الشيخ أحمد الجابر بداية العشرينات، إضافة إلى مرحلة انتهاء الحرب العالمية الأولى والحراك السياسي الذي أثاره وعد بلفور عام 1921، اضافة إلى تأثر الكويت بحركة التنوير في العالم العربي، والتي كان من أقطابها محمد رشيد رضا وعبدالعزيز الثعالبي الذي زار الكويت عام 1924.

هذا المقال إحداثيات العشرينات.. التنوير والثقافة في الكويت كتب في القبس الإلكتروني.

شاهد أيضاً

اكتشاف كوكب جديد يشبه الأرض.. وقابل للحياة

في خطوة قد تساعد كثيراً على فهم بعض أسرار الكون غير المعروفة لحد الآن، اكتشف …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *