الرئيسية / منوعات / «الربيع» عربي.. واللهجة محلية

«الربيع» عربي.. واللهجة محلية

الغرافيتي المصاحب للثورات غلبت عليه العبارات العامية

مهاب نصر | 
اتصال مفاجئ من الكاتب الكويتي عبدالوهاب الحمادي. تحية سريعة، ثم سؤال مقتضب وحاسم بقدر ما يحاول أن يبدو موضوعيا بقدر ما تكشف طبقة الصوت على نوع من العتب: هل لديك موقف من الكتابة بالعربية؟
«لا».. قلت بسرعة وقبل أن أفكر. السرعة نفسها كانت نفيا لما وراء السؤال، ولم تكن في الواقع إجابة حقيقية عن السؤال نفسه.
المسألة ببساطة تعليق كتبته على صفحتي في موقع التواصل «فيسبوك» يبدو أنه أثار اهتمامه. التعليق كان مدونا بالعامية المصرية. يبدي الحمادي، كغيره من أشقائنا الكويتيين والعرب عموما، نوعا من التفهم تجاه استخدام العامية المصرية حتى لو كانت القضية عامة، لما للعامية المصرية من انتشار. يعبرون عن ذلك وعليك أن تتبين أيضا أن وراء تفهمهم شيئا من الضيق. كأنما الكتابة بالعامية هي نوع من الـ«الغرور» المحلي، وهي أحيانا، أحيانا فقط، تكون كذلك فعلا، كأنها اتكاء على عصبية كبيرة وكاسحة، لا يقلقها ما يعانيه من هم خارج هذه العصبية اللغوية من رغبة في التواصل، ومن حساسية الشعور بنوع من الإقصاء اللغوي وما يترتب عليه بالطبع، كأننا نقول «دي مشاكلنا لو سمحتم»، وكأن هذه «المشاكل» ليست مترابطة الحلقات والتداعيات في البلدان العربية، وكأن الثورات لم تفتح بابا واسعا لتدخل أنظمة وجماعات.
شخصيا، لم أبدأ الكتابة على فيسبوك بوك بالعامية وحدها. كثير من التعليقات كنت أدونها كغيري بالعربية، خاصة أن لدينا جميعنا أصدقاء من جنسيات أخرى عربية. وأعتقد أن هذا كان سلوكا عاما.
لكن الغريب، ومع تصاعد أزمات وعثرات «الربيع العربي» تصاعد نوع من الارتداد إلى المحلية. كلمة «ارتداد» قد لا تبدو لائقة تماما إذا نظرنا إلى الإشكال اللغوي من جانب القضية التاريخية التي لم تحل: هل نعتمد «العاميات» كلغات لننهي الازدواج اللغوي، أم أننا نخسر بذلك قاعدة واسعة عروبية من التفاهم والتاريخ والإرث الثقافي؟
وعبارة «من الغريب» ليست دقيقة أيضا، لأن مآلات «الربيع العربي» التي بدت مختلفة من دولة إلى أخرى، كاشفة عن أزمات عميقة وانحدارات غير مسبوقة الصقت أصحاب الأرض باللغة الأم (وهي العامية بالتأكيد). الصراعات المحلية المريرة بدا وكأن استخدام العربية في التعبير عنها نوع من التأنق أثناء إطفاء حريق. لكن استخدامي لهذه العبارة لا يخلو من سبب كذلك. إذ إن القضايا الجذرية طرحتها هذه الثورات ونتائجها أيضا ليست ذات أبعاد محلية فقط، فهي تمس الحريات العامة والعدالة والمواطنة والدين، ودور الفن ونمط السلطة والمجتمع المدني وغيرها، وهي قضايا من الغريب أن تقتصر في مرجعياتها على ما أقر من أدبيات غربية على وجه الخصوص، بينما تتجاهل الخبرات الخاصة بالمناطق اللصيقة بنا، والتي ارتبطت بها مشكلاتنا في جديلة أو جدائل متشابكة.
لم يبد شباب الطبقة المتوسطة، الفاعلة بكشل كبير في صياغة الثورات العربية، اهتماما جديا إلا بما يمكن تسميته «المراكز الحضارية»، ومعها بنمط معياري من الحكم على الأشياء، بينما تجاهلت، فيما عدا إبداء التعاطف الرمزي في المراحل الأولى، أي شغف بقياس تجاربها على التجارب الأخرى في هذه البلدان، ولم تر في الفشل العام مرتكزا للبحث عن مشترك، مهما كان قدره، للخبرة التاريخية.
ومن أغرب ما قرأت في ذكرى الثورة المصرية مقال لمؤرخ مصري حاول فيه بشكل بعيد حتى عن المنهجية والحقيقة، تأكيد، ليس فقط خصوصية الثورة المصرية، بل أنها نابعة من الذات وتطلعاتها متجاهلا بشكل معيب أثر نجاح الثورة التونسية في إقصاء أول رئيس عربي عن الحكم، وما صاحب ذلك من تنبه إعلامي واسع كان له بدوره أثر في تحويل تمرد محدود إلى ثورة عارمة.
كان هذا الرياء المحلي مرتبطا، برأيي، بطبيعة الطبقة المتوسطة الجديدة ضيقة الأفق، والتي تبدو ثوريتها «الفوقية»، فهي نفسها ابنة أجيال تواطأت مع النظام وهو ما سمح لها أصلا بأن تتحصل على مكانتها ماديا واجتماعيا، وتتحصل أيضا على نمط من التعيم والامكانات المادية، سمح لها بإقصاء برجوازية صغيرة أو تقليدية، وإحلال أخرى ذات صلة بـ«لغة» عولمية وقيم معيارية مخادعة في براءتها ولا تاريخيتها.
وبقدر ما كان فشلها في مد جسورها إلى الجسم العريض للمجتمع وأقاليمه واكتفت بالساحات في المدن الكبرى، وبقدر ما تعتبر المقالات المنشورة في الصحف الأوروبية أو الأميركية حقائق معيارية، بقدر ما تجاهلت الالتفات إلى الجيران.
وجزء، كبيرا كان أم صغيرا، من الشعور بالإهانة الذي أبداه البعض تجاه قضية الجزيرتين المصريتين أخيرا، كان ينبع من إحساس رافض تنافسي في مواجهة نمط حضاري وثقافي، والذي اعتبروه «دخيلا»، وهي فكرة روّجها مثقفون بخفة مع تصاعد المد الأصولي. هذا بالطبع بخلاف الموقف السياسي الذي ليس هذا محله الآن.
جوهريا، قضية العامية ليست محسومة ببساطة، فما زلنا مضطرين إلى استخدام مستويات مختلفة من اللغة. قد تكون العربية لغة سلطة، لكنها أيضا مكتسب تواصلي، وليس فقط تاريخيا، آنيا وملحا. والعامية هي صوتنا الأم الذي يعكس بيئة وثقافة لا يمكن اختزالهما أوتجاهل التفاصيل الدقيقة والظلال التي تصعب ترجمتها، لكنها تبقينا في دائرة معزولة نسبيا من الخبرة.
لكن هل ما كان يسأل عنه الصديق الكاتب عبدالوهاب الحمادي هو شأن لغوي فعلا، أم هناك ما هو أبعد من ذلك، أعني طبيعة القضايا والأفكار المثارة نفسها، وكأن فيسبوك بدل أن يفتح مجالا أوسع للتلاقي في لحظة حاسمة، أعاد طرح انغلاقنا على أنفسنا بصورة أكثر ثقة؟
لا أقرر هنا إجابات بشأن اللغة. فمن الممكن ببساطة أن يقال ان فيسبوك هو موقع اجتماعي بالأساس لا يحتمل «الرسميات». كلنا أيضا يشعر عند استخدام العربية الفصحى أنه يخسر شيئا لحساب آخر، يقف على درجة أعلى من سخونة الحدث.
لكن هذا يعني أيضا أننا لا نريد تقديم أفكار، أن لدينا نوعا من «العنف» في طلاء أفكارنا بالمشاعر الحميمة المعتمدة على ملفوظات لها يمكن توقع ردود الأفعال الخاصة بها. نريد ضمانة سريعة للتأثير لا الإقناع، نجعل من أعصابنا المتوترة شاهدا حيا يتقدم الكلمات.
لا أقرر إجابات حتى بشأن «الخصوصية» وحدودها، الصدق ومجاله، لكن مكالمة الحمادي أوقفتني أمام أسئلة مؤجلة.

هذا المقال «الربيع» عربي.. واللهجة محلية كتب في القبس الإلكتروني.

شاهد أيضاً

معرض أميركي لأزياء المحجبات

يقيم متحف «دي يونغ» في مدينة سان فرانسيسكو الأميركية معرضا لأزياء المحجبات يضم أعمالا لـ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.