الوحدة الوطنية ليست أمرأ رومانسياً

ذهب عالم الاجتماع الأميركي «أميتاي اتزيوني» إلى القول بأهمية «المجتمع الإيجابي»، أي المجتمع الذي يملك مقدراته بيده، ويملك الوسائل والآليات التي يصنعها بنفسه ولنفسه. وبذلك يمكن أن يتحقق ما يطلق عليه اسم «التغير الاجتماعي المخطط». وحقيقة الأمر، فإن التغير الاجتماعي المخطط والذي يتجه نحو المجتمع الإيجابي لن يتحقق في ظل الصراعات والانقسامات الاجتماعية الطائفية التي يشهدها مجتمعنا الكويتي، وإنما يعتمد تحققه على ارض الواقع من خلال «إعادة تربية» اجتماعية ونفسية إيجابية للمواطنين. فالقوة لا ترتبط ـ في رأي اتزيوني ـ بالضرورة بالقهر، والمعارضة، والصراع، بل إنها على العكس من ذلك ترتبط بالتعاون والتضامن. فالقوة ـ التي نقصدها لمجتمعنا ـ هي شكل من أشكال تعبئة الطاقات لخدمة الأهداف الاجتماعية، ولخدمة الانسجام الفكري والتعايش الاجتماعي والطبقي والمذهبي.
إن النموذج الإيجابي الذي يجب أن نسعى إلى بلوغه لا بد أن يقوم على نبذ النزعات القبلية والفئوية والطائفية والالتفاف حول هدف اجتماعي أشمل وأعم. إننا بأمس الحاجة إلى قوة دفع اجتماعية لمواصلة الجهد والعمل لبناء مجتمع متحد «لا قبلي، لا فئوي، لا طائفي»، مجتمع إيجابي في التعامل مع طاقاته البشرية الخلاقة، يحترم التنوع والتعدد والاختلاف.
الوحدة الوطنية ليست امرا رومانسيا بل هي ضرورة مجتمعية. وعلى مجتمعنا أن يدرك أنه كلما زاد التقارب بين شرائح المجتمع وفئاته المتعصبة، انخفضت حدة النزعة الاجتماعية الانقسامية. ويجب هنا تقوية علاقات الجوار وإذابة الحواجز الدينية والنفسية والاجتماعية الوهمية التي صنعناها بسلوكياتنا وافكارنا وتوهماتنا المجحفة والضارة اجتماعيا. وبالتالي، على الذات الكويتية الآن أن تتحرر من هذا القالب الانقسامي الجامد، ومن خلال مقومات خاصة للتعايش. وأول هذه المقومات: ضرورة كفالة الحقوق كاملة لكل أفراد المجتمع دون تمييز أو تجاهل طرف على حساب الآخر. وثاني هذه المقومات: الاحترام المتبادل بين فئات وطوائف المجتمع وأفراده. أما المقوم الثالث: فيتحدد بنشر ثقافة التعايش، تلك الثقافة التي تعظم من قيم الحوار وقبول الآخر. أما المقوم الرابع: فيتحدد بوجود رغبة حقيقية من قبل أفراد المجتمع تنظر نظرة إيجابية للآخر، فلا تقلل من شأنه أو من شأن اصله وفصله وخلفيته الثقافية أو مذهبه أو ديانته. أما المقوم الخامس: فيتمثل في اهمية دور مؤسساتنا التربوية وفي مقدمتها الأسرة والمدرسة التي ينبغي أن تعيد صياغة التنشئة الاجتماعية والمناهج التربوية بما يتلاءم مع التحديات العنصرية والقبلية والطائفية المستجدة. أما المقوم السادس والاخير: فيرتكز على الدور الضروري الذي يجب ان يلعبه صناع القرار وراسمو السياسات في تغذية وتعزيز هوية المجتمع نفسه عبر إشراك أفراد المجتمع في أعماله ونشاطاته ومسؤولياته المتعددة، ولا سيما المدنية، والتي تدعم نشر القيم المدنية القائمة على الحرية والمساواة والعدالة وقيم الاختلاف وقبول الآخر.

شاهد أيضاً

وكيح

وكيح يهود صهاينة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.