أكبر من مسماه

أيا كان الذي فعلته إيران فجر الأربعاء فإنه لا يختلف عما فعلته واشنطن، الأذى وقع في الحالتين على العراق، في وقت يصب كل هذا الذي يجري الآن في خدمة مشروع الوضع الدولي الجديد ابتداء من منطقتنا هذه التي زودت البشرية بالأديان والتي ترفد الاقتصاد العالمي بالطاقة، وبالتالي لا إيران ستخرج رابحة ولو جرت جري الوحوش، ولن يكون بإمكان أميركا وقف انهيارها وتخليها عن مكانتها كقطب أحادي في حكم العالم، بل سوف لن يكون بإمكانها وقف تفتتها وانهيارها.
ستكون أكبر خطيئة في ذمة من تولى حكم العراق بشكل مباشر أو عبر وكلاء بعد انهيار حكم صدام حسين وتسبب باعادة العقوبات والحصار على العراقيين مرة أخرى، بسبب جهل أصحاب القرار بحقيقة نوايا واشنطن وطهران على السواء. صدام هو الذي سقط ولم تكن له علاقة لا بصناعة تاريخ العراق ولا مكانته المحورية ولا دوره الإقليمي ولا صلته بنشوء الخليقة. لذلك فإنه وأياً كانت الذرائع التي ساقتها الولايات المتحدة لتبرير عملية اغتيال قاسم سليماني رجل إيران الأول فإنها تغالط نفسها وتغالط التاريخ وتزور الحقائق. نعم كان سليماني قائداً لفيلق القدس، القوة الكبرى في المؤسسة الأمنية والعسكرية والمخابراتية الإيرانية، وفعل الرجل ما فعل من واقع حدود السلطة التي لا حدود لها لمن يشغل منصبه ومن يتمتع بموهبته وفطنته وتمرسه في محافل الخير والشر، ولهذين المسميين مفاهيم تختلف في تعريف كل منها في مواجهة الخصم ودعم الحليف، فهي في الخير تماماً وإلى أبعد مدى عندما تتعلق بالتصدي للمشاريع الإسرائيلية بكل أنواعها، وهي في غير ذلك عندما تتعلق بإملاء وفرض إرادة بلاده على دول مستقلة بما يختطف منها سيادتها مستفيداً من العامل المذهبي من جهة ومن قدرات بلاده اللا محدودة في تكييف الظروف والأوضاع الخاطئة لمصلحتها. فاستفادت من ظلم بعض الدول لشيعة العراق واتهامهم بالعمالة لإيران، وهم الذين حاربوا نفوذ الثورة الإسلامية في إيران ثماني سنوات دفاعاً وخوفاً على أنظمة وسيادة وأمن واستقرار الدول التي تتهمهم الآن بالخيانة والولاء لطهران، وهي التي اتبعت ضدهم، أي الانظمة لا إيران، سياسة التفرقة المذهبية واعتبرتهم كفاراً ومواطنين درجة ثانية أو بلا درجة خلافاً لأمر الخالق «لا إكراه في الدين»، وقوله عز من قائل «لكم دينكم ولي دين». وسيقول البعض إن إيراد الآيتين في هذين الموضعين ليس مطابقاً لظروف نزولهما في وقت الرسالة إلا أن القرآن دين الكمال والدوام، وهو صالح لكل زمان ومكان والأصل هو أن لا شيء يتعارض مع إرادة الله. ليس من باب الافتراء ولا التقليل من شأن أحد لكن استذكر الان أن ملكاً سألني قبل رئيس دولة أخرى، والدولتان مهمتان جداً: بمَ الكويت أفضل منا؟ فقلت بدون مواربة «بالحكم». فقال الملك: الحكم أم الشعب؟ فقلت: الحكم هو الذي أوصل الشعب إلى ما هو فيه من مرتبة تميزه عن بقية العرب. أما الثاني فقال: أسأل الله الهداية لنا جميعاً.
وسألت رئيس دولة عربية عن الحكمة في تبني مشروع إعلامي كان في وقته يتكلف ملياراً وأربعمئة مليون دولار، والأكيد أن الرقم تضاعف الآن، فقال إنه أبلغ أثراً وفاعلية من وزارات الخارجية والإعلام والدفاع, الرئيس الاميركي الحالي دونالد ترامب وهو الرئيس الثامن والخمسين «تولى المنصب في 20 يناير 2017 وتنتهي ولايته في يناير 2020»، أكثر رؤساء أميركا خلافاً مع وسائل الإعلام بل وافتعالاً للحروب معها. المخابرات المركزية الاميركية بالإعلام أسقطت شاه إيران وبالإعلام حفرت تحت صدام حسين ومهدت الاجتياح الأميركي لبغداد، وبالإعلام عرف العالم بخبر الإيقاع بقاسم سليماني، ومتابعة تسجيل لحظة إصابة سيارته وسيارة كبير مستقبليه أبو مهدي المهندس.
السيد حسن نصر الله في خطابه الأحد الرابع من ديسمبر، حمل الرئيس الأميركي مسؤولية اغتيال سليماني وكأن الأمر سر، مع أن ترامب أول من أعلن عما حصل وأول من قال إنه المسؤول الذي أمر بما حصل. هل انتهت مهمة سليماني؟ هذا هو السؤال، فقد كان الرجل رقم واحد أمنياً في العالم، رتب مع بن لادن واستضاف أهله في إيران وتحكم إلى حد ما في محيط حركة داعش وأدار ومول وسلح منظومات أحزاب الله والحشد الشعبي وتعامل مع المخابرات الروسية، ويصعب القول إنه لم يخترق أو يتلاعب بسيول من المعلومات التي تلقتها المخابرات المركزية من مكاتبها وعملائها وهم موجودن في كل مكان في الوطن العربي وخارجه. لم يكن سليماني مجرد فرد، بل كان مؤسسة بمستوى «كي جي بي» تعمل في كل مكان في العالم. اعتقد أنه زار دولاً عدة بعضها الأشد خصومة له وعداء، نجح في التخفي وفي استخدام كل ما سهل له التحرك وحيداً أو مع من احتاج إليهم.
الدور الايراني كان يمكن أن يكون مختلفاً تماماً تجاه العراق باتجاه خلق قاعدة علمية وصناعية وتنموية. طهران وسليماني تحديداً تغافلوا عن أهمية العراق وتراثه وأدبه ورفعة شعبه ودوره الإقليمي والدولي، وسقط الجزء الاعم من العراقيين معهم في لعبة تقديم كل شيء على الوطن والعلم والعمل. فباع البعض سليماني كما باع بلاده وكما باعت إيران بغداد انتقاماً من حرب السنوات الثمانية.

شاهد أيضاً

وكيح

وكيح يهود صهاينة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.