الرئيسية / منوعات / حركات شبابية للاعتراض والفنون

حركات شبابية للاعتراض والفنون

كاريكاتير للشاعر ادونيس

محمد ابي سمرا | 

كانت أيام قليلة قد مضت على سفرها من بيروت إلى أربيل في رحلة عمل موقتة مع منظمة دولية، تعنى بحماية النساء والفتيات من العنف في مخيمات اللاجئين السوريين. فاجأني طلبها واستغربته، بعدما كانت نسيته منذ دورة الانتخابات النيابية اللبنانية الأخيرة التي انتخبت فيها للمرة الأولى في العام 2009. نزولاً عند رغبتها ذهبنا آنذاك إلى شبعا لندلي بصوتينا الانتخابيين. أنا المولود سنة 1953 في تلك القرية الجردية النائية والمقيم في بيروت منذ العام 1965، كنتُ للمرة الأولى أيضاً أشارك في عملية اقتراع. أما هي المقيمة في بيروت منذ ولادتها فيها العام 1988، فلم تكن قد زارت شبعا إلا مرتين أو ثلاثا بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي من الشريط الحدودي اللبناني في العام 2000. كانت لا تزال طفلة آنذاك، ولا تدرك من شؤون السياسة وشجونها شيئا. وفي زيارتنا الأخيرة هربنا من القرية في حال من الرعب، بسبب عملية عسكرية «تذكيرية» قام بها «حزب الله» في مزارع شبعا، وأدت إلى قصف إسرائيلي على أطراف القرية. لكن عدم تمييزها بين زعماء السياسة في لبنان، تغيّر تماماً في أثناء مشاركتها في النشاطات الاحتجاجية الشبابية التي أعقبت اغتيال رفيق الحريري في 14 فبراير/شباط 2005. مذاك وحتى تخرّجها في الجامعة في العام 2011 وبعده، امتلكت وعياً جديداً وشاركت في كثير من نشاطات جمعيات المجتمع المدني الطالبي والشبابي في بيروت، قبل بدئها العمل في المنظمة الدولية التي تعنى بشؤون اللاجئين السوريين في لبنان.

لائحة بيروت مدينتي
لائحة بيروت مدينتي

◗ بيروت مدينتي
اتصالها الهاتفي من أربيل، وطلبها نقل سجل نفوسها من شبعا إلى بيروت، كان هدفه عزمها على المشاركة في الانتخابات البلدية المزمعة في لبنان في أيار/مايو الجاري، لكن كي تدلي بصوتها الانتخابي في بيروت، وليس شبعا التي لا تعنيها في شيء، ولم تزرها قط بعد تلك الزيارة الأخيرة المرعبة في العام 2000.
شبكة التواصل الاجتماعي أعلمتها في أربيل بأن شبكات من صديقاتها وأصدقائها يشاركون بنشاط في حملة انتخابية لمصلحة لائحة «بيروت مدينتي» التي تألفت من ناشطين وناشطات في المجتمع المدني البيروتي واللبناني. فاللائحة تجسد لأمثالها طموحاً في العمل البلدي الإنمائي المديني الجديد، من خارج الأطر والانتماءات العائلية والتقليدية التي تتحكم عادة بالمرشحين وبالعملية الانتخابية وبجمهور الناخبين الذين تحركهم عادة الولاءات لزعماء الحكم والسياسة. و«بيروت مدينتي» تضمُّ مرشحين ومرشحات من خارج تلك الولاءات، وأعلنوا في بيانهم الانتخابي أنهم عملوا لسنوات على تطوير وتنفيذ مشاريع إنمائية، لكنهم اصطدموا بعدم استجابة صانعي القرار وبتغاضيهم. واللائحة مؤلفة من 24 من المرشحين نصفهم من النساء، وجميعهم من أصحاب وصاحبات الخبرة في مجالات العمل المدني الإنمائي المتنوعة. وبينهم إعلاميون وفنانون ومهندسون وأطباء، لكن يجمعهم عملهم في مهن حديثة، وخروجهم عن الانتماءات الأهلية التقليدية. ومن الأسماء المعروفة والمشهورة في اللائحة: السينمائية نادين لبكي، الفنانة التشكيلية ندى صحناوي، الموسيقي والمغني أحمد قعبور، والمهندسة المعمارية الناشطة في الحفاظ على تراث بيروت المعماري منى حلاق، والإعلامية كارول شبلي التويني.

◗ بيروت لـ«البيارتة» فقط
بعد أيام قليلة على إعلان اللائحة، ظهرت في شوراع بيروت لافتات إعلانية عن تأليف «لائحة البيارتة» برعاية سعد الحريري وتيار المستقبل، تحت شعار «لتبقى بيروت لأهلها». كأنما اسم هذه اللائحة وشعارها، جاءا رداً على لائحة «بيروت مدينتي»، في ما يشبه المناكفات الزجلية. وذلك للقول إن بيروت للبيارتة فقط، أي للعائلات البيروتية المسجلة في سجلات قيد النفوس في بيروت. أما من هم ليسوا من هذه العائلات- أي المولودين والمقيمين في المدنية من دون أن تضمهم سجلات قيد النفوس فيها- فعليهم أن يصمتوا ولا يتدخلوا في شؤون بيروت وأهلها الأقحاح، وفي الانتخابات البلدية، وعليهم ان يعودوا الى أهلهم في المناطق والقرى خارج بيروت.
مثل هذا المنطق التقليدي الصارخ والمتعصب في تصنيف الناس على الهوية، واحد من مصائب لبنان واللبنانيين الكبرى. فهو يطلق العنان للنعرات والولاءات على أساس الانتماءات العصبوية الضيقة والمتنابذة، تاركاً الخارجين منها وعنها بلا صوت، كأنهم نكرات في مدينة الأهل والعائلات المغلقة وعصبياتها وجذورها الأصلية أو المتأصلة. أما بيروت المزيج والاختلاط والتنوع والانفتاح والتساكن والجوار الفسيفسائي، فعليها أن تصمت وتنزاج جانباً في الانتخابات البلدية التي تحول المدينة مدينة عائلية صرفة.
هذا التأصيل للأصل والأصول، الذي تخرج عليه «بيروت مدينتي» يكشف عن أعمق أمراض لبنان واللبنانيين المزمنة. وإذا كانت لائحة «البيارتة» هي التي ستفوز في الانتخابات على الأرجح، فإن الخطوة التي أقدم عليها ناشطو وناشطات المجتمع المدني، تسجل سابقة واختباراً في ظروف لبنان المأزومة سياسياً واجتماعياً واقتصادياً.

الطلاب يحتجون
الطلاب يحتجون

◗ أدونيس والاعتراض الشبابي
شبان وشابات من ناشطي وناشطات المجتمع المدني من طلاب وطالبات الجامعة الأميركية في بيروت، وهم وهنّ خليط من لبنانيين وسوريين في الجامعة، ومن مؤيدي لائحة «بيروت مدينتي» على الأرجح، كانوا بين جمع قليل حضر ندوة ثقافية أحياها في الجامعة الأميركية الشاعر اللبناني السوري الأصل والمقيم في باريس أدونيس، المثير للجدل الثقافي والسياسي بسبب مواقفه من الثورة والحرب في سوريا الأسد.
كان الاعتراض على مواقف أدونيس السورية من أسباب حضور الشبان والشابات الطلبة إلى القاعة التي أقيمت فيها الندوة الثقافية في الجامعة. وما من مرة حضر هذا الشاعر العربي إلى بيروت وأحيا ندوة فيها أو أدلى بتصريحات ومواقف في السنوات العشر الأخيرة، إلا وأثار جدلاً في أوساط المدينة ولبنان الثقافية. وقد يكون أدونيس أكثر الشعراء العرب حضوراً إعلامياً ونجومياً في العواصم العربية والأوروبية. فهو منذ ستينات القرن العشرين وسبعيناته، من دعاة الحداثة والرفض والثورة في بيروت التي وفد إليها من سوريا، ليشكل مع الشاعر السوري نزار قباني والشاعر الفلسطيني محمود درويش، ثم الشاعر العراقي سعدي يوسف، «نجوم» الشعر العربي الحديث في العاصمة اللبنانية التي كانت آنذاك «واحة» الثقافة العربية وصانعة نجومها. وإذا كان نزار قباني ومحمود درويش قد رحلا عن عالمنا، فيما غادر سعدي بيروت ولم يعد اليها منذ العام 1982، ليحترف التنقل والترحال بين عواصم أوروبية وعربية كثيرة، فإن أدونيس وحده من بين نجوم الشعر القدامى هؤلاء، ظل يتردد على بيروت وحاضراً فيها ومثيراً للجدل على سابق عهده، من دون أن يخمد طموحه الدائم منذ سنوات كثيرة إلى الفوز بجائزة نوبل للآداب، ليصير الكاتب – الشاعر العربي الثاني في الحصول على هذه الجائزة، بعد نجيب محفوظ. لكن طموحه المحموم هذا لا يزال يخيب في كل سنة يُعلن فيها اسم الفائز بالجائزة العالمية الكبرى.
ما من شك في أن ادونيس الشاعر والمثقف يحظى بتأثير لا يستهان به في الدوائر الثقافية العربية والعالمية. لكن هذا التأثير غلب عليه أخيراً النزوع إلى الحضور الإعلامي الدائم في تلك الدوائر، ما دام الإعلام قد صار صانع نجوم الثقافة المعولمة. وإذا كان أدونيس قد أقام نجوميته الشعرية والثقافية في الستينات والسبعينات والثمانينات على مناصرته الحركات الطالبية والشبابية والثقافية الطليعية آنذاك حين كتب «إذا رأيتَ على مدخل الجامعة نجمة/ خذ بيدها. وإذا رأيتِ على مدخل الجامعة كوكباً/ عانقيه. نبني الصداقة/نهدم العائلة/ ويصير المدى لخطونا شرفات»- فإن هذه النجومية قد عصف بها وحولها الانقسام والشقاق، خصوصاً إبان الثورة والحرب في سوريا، فلم تعد مدار إجماع.
هذا ما حدث أثناء محاضرة الشاعر الأخيرة في الجامعة الأميركية في بيروت التي خرج منها مستاءً غاضباً، لأن شباناً وشابات عبّروا عن معارضتهم مواقفه مما يحدث في سوريا الأسد، وخصوصاً اعتراضهم على قوله إن بشار الأسد رئيس منتخب، فيما الدم يجري سيولاً في الديار السورية. وفيما التدمير والتهجير والقتل تتناسل من دون توقف في تلك الديار.
فبعد وقت قليل على بدئه محاضرته، وقف المعترضون الشبان والشابات في القاعة، وصامتين حملوا لافتات كتبوا عليها عبارات اعتراضهم على مواقفه، وأخذوا في صمت أيضاً، يدورون بها بين الحاضرين القلائل أصلاً، ثم وقفوا أخيراً في جانب من القاعة رافعين اللافتات نفسها، قبل مغادرتهم.

◗ شقاق آخر
وقد يكون الشجار بين مجموعات من طلبة الجامعة الأميركية في شارع بلس في رأس بيروت، والذي حصل بعد أيام قليلة من المحاضرة الأدونيسية والاعتراض الشبابي على مواقف الشاعر، تجسيداً آخر للشقاق الذي بعثته الثورة والحرب السوريتين في لبنان. فالجهاز الطالبي شبه العسكري للحزب السوري القومي في رأس بيروت ومحيط الجامعة الأميركية، يعتبر أن المنطقة والجامعة من أوقافه الحزبية والحربية، ولا يحق لأي مجموعة طالبية وغير طالبية الحضور والنشاط والتعبير عن رأيها فيها. ذلك ان رأس بيروت وجامعتها العريقة محميتان لجهاز ذلك الحزب المستميت في ولائه الحربي لبشار الأسد بوصفه دكتاتور سوريا ولبنان من دون منازع. وهذا ما أدى إلى نشوب الشجار الطالبي بين الحزبيين القوميين السوريين الأسديين، وطلاب آخرين ينتمون الى حزب «الكتائب اللبنانية» الذي يقوم نزاع تاريخي قديم بينه وبين الحزب السوري القومي في لبنان.

بيروت – عمان – أبو ظبي
إلى هذه الظواهر البيروتية التي لا تغيب عنها الأزمة السورية، تحضر الفنون الشبابية في بيروت. ففي وسط المدينة أُحيي «اليوم العالمي للجاز» مساء نهار الأحد الأول من مايو الجاري. وذلك تزامناً مع إحيائه في عواصم عالمية وعربية برعاية منظمة اليونيسكو الدولية للثقافة والتربية. واللافت في «يوم موسيقى الجاز» البيروتي حضور عازفين ومغنيات من الأرمن اللبنانيين حضوراً كثيفاً.
وعمّان من العواصم العربية التي تحتفل بيوم موسيقى الجاز أيضاً. فتتشارك فيه فرق من ألمانيا وهولندا ومصر ولبنان، إضافة إلى فرق أردنية. فرقة «شكراً جازيلاً» المصرية للجاز والتي أنشاها في القاهرة رامي عطالله، كانت نجمة المهرجان الموسيقي في عمان، الذي تتعاون على إحيائه منذ العام 2012 شبكة معاهد الاتحاد الأوروبي للثقافة مع سفارات أوروبية في الأردن.
لكن محافظ عمان منع فرقة «مشروع ليلى» الفنية الشبابية اللبنانية من إحياء أمسيتها على المدرج الروماني في عمان مساء الجمعة 29 نيسان/ابريل المنصرم. وذلك بحجة أن الالبوم الغنائي الأخير للفرقة «يخالف القيم والعادات والتقاليد في المجتمع الأردني». وهذا ما يذكر بسجن الروائي المصري أحمد ناجي لأن روايته الأخيرة «استخدام الحياة» تخدش الحياء العام في مصر. لذا غاب ناجي عن حضور ملتقى الرواية العربية الذي تحييه جمعية «أشكال ألوان» الثقافية في بيروت. والمعروف أن «مشروع ليلى» فرقة لبنانية أنشئت في العام 2008 لموسيقى الروك الشبابية.
الأنشطة الفنية العربية الشبابية المشتركة تتكاثر في تنقلها بين عواصم عربية ناجية من الحروب المتناسلة في سوريا واليمن والعراق. وإذا كانت بيروت والقاهرة في طليعة هذه العواصم، فإن دبي وأبو ظبي لهما نصيب من هذا النشاط. فالفنان المصري الشاب تامر حسني، أحد نجوم البرنامج التلفزيوني «ذا فويس كيدز» للمغنين الأطفال العرب، أعلن من أبو ظبي أنه بدأ تصوير أغنية «لسه عند وعدي» التي يشارك فيها إلى جانب الأطفال المغنين الفائزين في البرنامج التلفزيزني الغنائي. وهو اختار العاصمة الإماراتية لتصوير الكليب الغنائي، لما فيها من أماكن مميزة مناسبة لهذا العمل.

هذا المقال حركات شبابية للاعتراض والفنون كتب في القبس الإلكتروني.

شاهد أيضاً

بعلبك تتذكر أم كلثوم

بعد ثمانية وأربعين عاما على آخر ظهور لها في قلعة بعلبك الأثرية بشرق لبنان، اعتلى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.