الرئيسية / عربي و دولي / سوداني شمالي يسعى لإعادة بناء كاتدرائية في الجنوب

سوداني شمالي يسعى لإعادة بناء كاتدرائية في الجنوب

المواجهات في جنوب السودان ادت إلى مزيد من الخسائر

إعداد سليمة لبال |

يسعى الشاب السوداني رضوان داوود المقيم في الولايات المتحدة الاميركية، إلى اعادة بناء كاتدرائية توريت، التي دمرتها الحرب، وهو المسلم الذي ينحدر من الخرطوم، في سبيل اصلاح ما افسده الدهر وترميم العلاقات بين السودانيين الشماليين والجنوبيين. مبادرة تحتاج إلى ان يقتنع البابا فرنسيس بها، فهل ستجد طريقها للتنفيذ لتكون نواة مصالحة جديدة؟

«لم أقتل احدا في حياتي ولم أسرق، ولست متهما في المجازر التي ارتكبها شعبي في جنوب السودان، ولكن لدي مسؤولية أخلاقية وأريد أن أساعدكم». بهذه الكلمات تحدث رضوان داوود، هذا المسلم السوداني الشمالي امام المجلس الكنسي لمدينة توريت، التي تقع على بعد 150 كلم جنوب شرق جوبا.
ينحدر رضوان داوود من مدينة الخرطوم، لكن هذا الطالب السوداني راودته فكرة اعادة بناء كاتدرائية القديسين بيير وبول، الذي دمرها النظام السوداني خلال الحرب الاهلية، ويعتزم تجنيد المسلمين وايضا المسيحيين واليهود في هذا المشروع الذي يقع على بعد أكثر من 5 ساعات بالسيارة من عاصمة جنوب السودان.
لقد اقتنع رضوان بأن المصالحة الدينية ممكنة بين الشعبين السودانيين علىالرغم من السنوات الطويلة التي استغرقتها الحرب. وتأتي مبادرته في وقت خطت فيه القوات المسلحة خطوة باتجاه السلام، وبعد ان عاد زعيم المتمردين الجنوبيين في المنفى رياك ماشار الثلاثاء الماضي الى جوبا ليشكل حكومة انتقالية مع الرئيس سيلفا كير.
ووفق اتفاق السلام الموقع في 26 اغسطس 2015 فان الاخوة الاعداء سيتقاسمون السلطة خلال فترة انتقالية تدوم 30 شهرا، تنظم بعدها انتخابات، وكانت احدث جمهورية في العالم قد ولدت في 9 يوليو 2011 بعد نزاع بين الجنوب المسيحي والشمال المسلم، لكنها سقطت في ديسمبر 2013 في براثن حرب اهلية اوقعت 300 الف قتيل ودفعت اكثر من مليوني شخص الى النزوج من أراضيهم.
وقد غذت الصراعات الإثنية بين قبيلة الدينكا التي ينتمي اليها الرئيس سيلفا كير، وشعب النوير الذي يدعم رياك ماشار، اعمال العنف التي عانى منها السودانيون الجنوبيون (9 ملايين نسمة ) طيلة السنتين الماضيتين، ورغم ان لا علاقة لاحداث العنف هذه بالحرب السابقة، فانها تركت في اللاوعي الجماعي الشعور بعدم الثقة من الاجانب وهو الشعور ذاته الذي خلفته الحرب الأولى.

تاريخ مؤلم

في اليوم الذي زار فيه رضوان مدينة توريت، كان الكاهن يلقي دروساً دينية تحت سقف من الألواح المعدنية، ذلك ان كاثدرائية القديسين بيير وبول ما تزال قائمة، رغم ان المعارك دمرت أجزاء كبيرة منها، لكن لا احد فكر في إعادة بنائها من جديد.
كان الشاب المسلم يرتدي بذلة بيضاء، ويجلس مع مرتادي الكنيسة، حين طمأنهم وأكد لهم أنه سيعيد بناء الكنيسة. في تلك الاثناء كان بعض الشباب يحدقون في عينيه غير مصدقين بالطبع، لكنه قال لموفدة صحيفة لوفيغارو «لا أعرف ما الذي رووه لهم عن سودانيي الشمال، لكن الوقت قد حان لنطوي الصفحة».
لكن في السودان لا يعتبر طي الصفحة أمراً طبيعياً، ويتم من دون تفكير، ورضوان داوود يعرف جيداً تاريخ بلاده، وهو مثل الكثير من سودانيي الشمال الذين ينحدرون من دارفور، درس في جامعة جوبا، وعن تلك الفترة يقول «حين شرعت في دراسة العلوم السياسية في عام 2002، كانت تتملكني أفكار مسبقة كثيرة عن هذا الشعب المسيحي، الذي عارض دوما الشعب العربي المسلم، وقد عارضت لفترة طويلة استقلال جنوب السودان».
يعترف رضوان بانه خرج بصعوبة من هذا التفكير، واندمج في النهاية مع المجتمع المسيحي، حتى انه تزوج متطوعة اميركية تدعى نانسي، بعد ان التقاها على مقاعد جامعة جوبا «نانسي مسيحية، لكني لم احاول أبدا أن أغير دينها».

كدت أُعدم

لقد وقع رضوان في حب نانسي في توريت، وهي قرية تقع على الحدود الأوغندية، حيث يتعايش المسلمون والمسيحيون بطريقة أو بأخرى، لكن هنا اندلعت اولى المواجهات بين الطوائف الدينية في عام 1955. وهذه القرية الكبيرة تعد من اكبر مقابر السودان، حيث ووري فيها جثامين الجنود من الجانبين.
وحتى يثبت رضوان حسن نيته روى للجميع هناك، وعدة مرات، مسيرته السياسية والشخصية، فقد كان من طلائع المناهضين لنظام الرئيس السوداني عمر البشير، وشارك بنشاط في الربيع السوداني الذي شهدته الخرطوم في صيف 2012 وفي حركة «قرفنا»، لكن السلطات حينها تمكنت من قمع التظاهرات، بعد ان سقط عدد من الضحايا، فيما كان رضوان احد الموقوفين، حيث سجن في 3 يوليو 2012 لمدة 45 يوماً، خضع خلالها لشتى أنواع التعذيب، لكن السفارة الاميركية رحلته مما مكنه من النجاة من عقوبة القتل، ومنذ ذلك الحين يعيش في المنفى في الولايات المتحدة مع زوجته وابنته ذات الثلاثة أعوام.
يقول توماس اوليها الذي يدير ابرشية توريت «لقد فقدت 12 فردا من افراد عائلتي خلال الحروب الاهلية المتتالية التي شهدها السودان، لكن لا نستطيع الاستمرار في كراهية بعضنا»، ولا يخفي هذا الرجل ان هناك مخاوف وشكوكا راودت سكان القرية من مبادرة رضوان، لكنه اضاف «لكن ما يقوم به رضوان فعل انساني، وسلوك تجاه الآخر الذي يجب علينا أن نقبله من أجل أن نتصالح».

وفد إلى الفاتيكان

وكاهن توريت معجب جدا بشخصية الشاب المسلم الذي وعده بالتحدث الى البابا فرنسيس في الموضوع، وعن ذلك يقول «بعد كل شيء إنه عام الرحمة والعفو والبابا ليس امامه سوى ان يؤيد مشروعنا». وعلى هذا الأساس تم هذا الشهر ايفاد وفد سوداني جنوبي الى الفاتيكان محملا برسالة تتضمن تفاصيل المشروع، حيث يأمل رضوان داوود ان يتمكن من الحصول على موعد للقاء البابا.
ومن المنتظر ان تفتح الكثير من الابواب امام هذا المشروع ان حصلت مبادرة رضوان على موافقة الفاتيكان، فكلية الهندسة في الجامعة الكاثوليكية الاميركية اقترحت ان تقدم خدماتها للمشروع مجانا، كما ان المنظمة غير الحكومية الاميركية التي تدعم المشروع قادرة على العثور على ممولين بسهولة. ويقول القس توم بريتشارد مؤسس منظمة سودان سان رايز «إن هذا المشروع يكلف مئات الملايين من الدولارات. ونحن ندرك بأننا نخاطر لكن البعد الروحي لانجازه يتطلب منا هذا الجهد».
وتوم بريتشاد معروف بشكل كبير في جوبا بسبب شراكته مع مانوت بول. ومانوت بول هو لاعب كرة سلة اميركي خصص جزءا كبيرا من وقته ومداخيله لمساعدة السودان التي ينحدر منه. ولمنظمة سودان سان رايز علاقات جيدة جدا مع الامام محمد مجيد رئيس المجتمع الإسلامي لاميركا الشمالية، وهو الآخر ينحدر من شمال السودان وكان مستشارا لمرات للبيت الابيض في قضايا اسلامية ومؤيدا للمشروع ايضا.

حاجة ماسة للمساعدة الغذائية

يبدو جمع مليون دولار لإعادة بناء كاتدرائية في بلد ما يزال فيه البقاء على قيد الحياة اولوية، أمرا غير معقول، ذلك ان السكان يحتاجون إلى كل شيء في هذا البلد، واما البنايات الوحيدة التي ما تزال قائمة هي مباني الادارات. لكن المعارك التي نشبت خلال السنتين الأخيرتين كان لها تداعيات اقل على توريت، مقارنة بالحرب مع شمال السودان. ويقول جوزيف لوغورا سكرتير الأبرشية «العرقان الرئيسيان اللذان كانا يتقاتلان، وهما الدينكا والنوير ليسا من عندنا، لذلك تبدو الأمور هادئة، لكننا نعاني من صعوبة في تموين السكان».
وكان السكان قد أكدوا للصحافة المحلية في 14 مارس الماضي، وفاة 50 شخصا بسبب الجوع في كل من ماغوي وأيكيوتو ولوبا ولافون. ومنطقة توريت ليست حالة خاصة، ذلك أن 6 ملايين سوداني في حاجة الى الدعم الغذائي.
ما يزال رضوان داوود بعيدا عن مرحلة وضع حجر الاساس للمشروع، لكن فكرته تجد طريقها للتنفيذ بهدوء، فبعد ان اقنع قس توريت وخطط مع منظمة سودان سان رايز لجمع المبالغ الأولى، عليه ان يجد متطوعين مسلمين للمشاركة بجهدهم البدني في عملية اعادة بناء الكاتدرائية، ذلك ان الفكرة ترتكز على اقامة نواة من شأنها استقطاب السودانيين الجنوبيين والشتات في الخارج.

هذا المقال سوداني شمالي يسعى لإعادة بناء كاتدرائية في الجنوب كتب في القبس الإلكتروني.

شاهد أيضاً

مسجد كبير ممول من تركيا يُثير القلق في شمال قبرص

فى الحقول المسطحة الواقعة شمال العاصمة القبرصية نيقوسيا، تسبب افتتاح مسجد ضخم بتمويل من تركيا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.