الرئيسية / منوعات / الرواية والشعر بين جيلين في ندوة بيروتية: قلق سلبي.. وحياة لا تكفي للكتابة

الرواية والشعر بين جيلين في ندوة بيروتية: قلق سلبي.. وحياة لا تكفي للكتابة

كاتيا الطويل وجبور الدويهي ووفاء مجاعص وعباس بيضون وفادي سهو

بيروت – انديرا مطر |
جمع معهد الآداب الشرقية في جامعة القديس يوسف (اليسوعية) الروائيين جبور الدويهي وعباس بيضون، لمناقشة التجربة الروائية لكل منهما، إضافة الى تقنيات السرد والأسلوب وانتشار الرواية وهيمنتها. شارك في اللقاء الروائية كاتيا الطويل، والروائي السوري فادي سهو، وأدارت النقاش الدكتورة وفاء مجاعص.

جبور الدويهي تحدث عن بناء الرواية، الذي يختلف من رواية لأخرى، فالكتب لا تكتب كلها بالطريقة نفسها. «المكان هو ما يلح عليّ في البداية. الإطار المكاني. لتأتي لاحقاً مسألة تأهيله بالأشخاص». الدويهي قال انه كتب آخر رواياته عن «حي الاميركان» المعروف في طرابلس شمال لبنان، لأنه مكان يعرفه، يراه ويتردد اليه وتعلم في مدرسة قريبة منه. كما إنه مكان مناسب لالتقاء الفقر مع الدعوات الإسلامية الجهادية. وهو «يشبه أمكنة كثيرة في العالم اليوم».
◗ التجربة الأولى
لكاتيا الطويل تجربة روائية وحيدة حتى الان هي «السماء تهرب كل يوم». عن اختيارها لموضوع روايتها، قالت الطويل ان تجربتها في الحياة لا تزال صغيرة، ولم تختبر بعد التشرد والجوع والمآسي، لذا كتبت عن واقع قريب منها وتعرفه: اختارت مقعداً خشبياً في كنيسة تحوّل إلى محطة عبور لأناس كثيرين، دونوا عليه حكاياتهم وشجونهم في محطات استراحاتهم من تعب الحياة.
◗ الفقدان السري
فادي سهو، روائي سوري، كتب رواية «قناديل العسكر»، بعدما بدأ صغيراً بكتابة الشعر. ولأنه كان تلميذاً مشاكسا كان أستاذه يعاقبه بقراءة الروايات: روايات عبدالسلام العجيلي تحديداً. هذه الدكتاتورية الفكرية، كما أسماها، ساهمت في حبه للقراءة، فكتب روايته الأولى عن حوادث سورية ومآسيها وعن معاناة شخصية: «فقدت بيتي، وأحبتي، ومكتبتي، ولا أعرف شيئاً عن مصير أشخاص قريبين مني». سهو استحضر مقولة «في السلم تندلع حرب الكتابة، أما في الحرب فتندلع كتابة الحرب. في الأولى تنتصر الكتابة، أما في الثانية فتنتصر الحرب». لافتاً الى ان كل شيء يتغير الآن في سوريا، ان هناك كسراً لكل شيء تقليدي سياسياً وثقافياً واجتماعياً.
◗ مطاردة الأساليب
عن الأسلوب السردي وتقنيات الكتابة، توقف الدويهي عند تحديين يتنازعانه حين شروعه بالكتابة: «أن لا أكرر نفسي ليقال هذا أسلوب فلان، وفي الوقت عينه أن يصبح لي أسلوب يمكن التعرف اليه وهذا شيء يسعدني. بالرغم من محاولات التنويع والتجديد وتفادي التكرار، فإن علاقتنا باللغة تطاردنا ولا مفر منها. اما تقنيات الكتابة فتختلف كل مرة. أحيانا أكتب بشكل تسلسلي، مرة يتفكك الزمن، ومرة يدور حول نفسه».
◗ الرواية فن سلبي
الروائي والشاعر عباس بيضون عزا سبب هيمنة الرواية وتأخر الشعر ــ في الغرب أولا وانتقالهما إلى العالم العربي لاحقاً ــ الى أسباب عديدة. السبب الأساسي هو ان الشعر فن إيجابي يتغنى بالحياة ويمتدحها ويحرض عليها، بمعنى آخر يقول نعم للحياة، فيما الرواية فن سلبي بسبب تطور الفكر والفلسفة. بدءاً من داروين، الذي قال لا للخلق، وفرويد الذي قال لا للحب، وماركس الذي قال لا للسلطة. لذا نعيش في عصر الـ«لا».
فقد الشعر دوره في محاولة التحريض على الحياة وامتداحها. ولم يعد بمقدوره ان يكون إيجابياً، فلحق بالنثر، لدرجة ابتكرنا قصيدة النثر.. الشعر كما يقول سارتر كلمات لغة صافية. واللغة الصافية تبتعد اكثر فأكثر عن الاحداث وعن الوقائع. وهو فن صامت قائم على الايماء واللمح، يكتم معناه ويحبسه بداخله ويتركنا نتلمسه من بعيد.
◗ الإنسان من الداخل
هل باتت الرواية التعبير الأول عن قضايا العصر؟ فرواية بيضون الأخيرة «خريف البراءة»، ورواية الدويهي «حي الاميركان»، تطرحان مواضيع الأصولية والتطرف والعنف، لماذا؟ وهل الرواية قادرة على وقف الانحدارات؟
نفى بيضون أي قدرة للأدب بما فيه الرواية على وقف أي انحدار. «الادب يملك قدرة امتاع قارئه». لكن ليس هذا سبب انتشار الرواية اطلاقاً. الرواية بحث عميق ومتصل وداخلي جداً عن الحياة، تبدأ بإعادة طرح الأسئلة، وهي محاولة دائمة ومستمرة لإعادة قراءة الانسان من الداخل.
وعن سؤال الى أي مدى التجربة الروائية هي تجربة ذاتية؟ وهل كشف الذات هو كشف عفوي استرسالي، ام انه يختار من تجاربه ما يخدم فنية الرواية، لاسيما ان رواياته «تحليل دم» و«مرايا فرنكشتاين» و«البوم الخسارة» تتضمن أجزاء من سيرته.
◗ المراهقون فقط ذاتيون
أجاب بيضون ان الفن عموما، بما فيه الشعر نفسه، هو لاشخصي وغير ذاتي. وان الكتاب المراهقين فقط هم من يبدأون بكتابة أنفسهم. الفن هو صعود من الذاتي إلى المجرد والى العام. «في أربع روايات لي كتبت شذرات عن حياتي اختيرت بشكل اعتباطي جدا. كنت أتعامل مع نفسي كموضوع. أعيد محاولة قراءة الانسان في داخلي».
اما كيف «يطبخ روايته»؟ فقال بيضون انه ينتظر فترة طويلة في البحث عن الرواية. يبدأ بالبحث عن أشخاصها أولا. الكتابة متعة ابتكار وتخيل وحلم. أثناء الكتابة تتوارد الوقائع. بيضون الوافد الى الرواية من عالم الشعر، اعتبر نفسه ضيفاً على الرواية، وقال انه سعيد جداً بالضيافة. «أمنح نفسي حقوقا كبيرة، مثل الفانتازيا واللعب على التقنيات، وحق الانسياب بالكتابة. ولكني أكتب بلغة عصبية، حادة، متقطعة. لا أعلم اذا ما كان مصدرها الشعر ام أنا نفسي».
يحاذر بيضون ان يكون شاعراً في الرواية. «الرواية تمنحني فسحة أكبر وخوفاً أقل. أكتبها متصالحاً مع اللغة. أما في الشعر فعليّ إعادة تركيب اللغة كل مرة وابتكارها. في الرواية تشعر أنك نصف مبتكر وبالتالي هي أقل جهداً».
◗ الكتابة مصدرها القلق
في نهاية النقاش، سئل الدويهي: بمَ ينصح الكتاب والروائيين الشباب؟ فقال: «ان يعرفوا على الأقل ماذا كتب حتى الآن كي لا يكرروا المواضيع نفسها ويصبحوا نسخاً»، مذكرا بماركيز الذي قال انه قضى نصف عمره يتفادى فولكنر. كما نصح بالكتابة كل يوم، لأن الكتابة لا تأتي من الخارج بل من القلق.
اما بيضون، الذي يصادف شعراء وروائيين لا يعرفون شيئاً عن الشعر والرواية، فنصحهم بالقراءة. لأن الحياة أصبحت موحية، لدرجة أننا نعتقد ان الحياة وحدها تكفي.

هذا المقال الرواية والشعر بين جيلين في ندوة بيروتية: قلق سلبي.. وحياة لا تكفي للكتابة كتب في القبس الإلكتروني.

شاهد أيضاً

في «رأس البر» بمصر.. مرج البحرين يلتقيان

(الأناضول)- «مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان».. آية قرآنية شاهدة، بحسب بعض كتب التفسير، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.